السيد كمال الحيدري

109

اللباب في تفسير الكتاب

الخصوصيّات المكتنفة بالكلام ، وما يجب حفظه منها للحصول على المراد والمقصود الحقيقي ، وإنّما يحصل ذلك من خلال أنّ هذا الكلام يتضمّن نفى بعض الخصوصيّات الموجودة في الكلام الآخر ، وذاك الكلام يتضمّن نفى بعض ما في هذا الكلام . نوع آخر من المَثَل القرآني هناك نوع آخر من المثل القرآني غير الذي تقدّم في البحث السابق ، تناوله القرآن الكريم بنحو واسع كقوله تعالى : ( وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) ( الزمر : 27 ) وذلك محاولة منه لإيصال المعارف القرآنيّة العالية والعميقة التي جاءت من خلال البيانات القرآنيّة إلى مختلف طبقات الناس من خلال الأمثال المضروبة لهم ؛ لأنّ الهداية المتوخّاة من القرآن لا تختصّ بطائفة دون أُخرى ، بل تعمّ الجميع وتشمل الطبقات عامّة ؛ لكونه أسهل الطرق لتبيين الحقائق والدقائق ويشترك فيه العالم وغيره فيأخذ كلٌّ ما قسم له . هذا مضافاً إلى أنّ هذا النوع من الأمثال يؤثّر في القلوب ما لا يؤثّره وصف الشئ في نفسه ، وذلك لأنّ الغرض من المثل تشبيه الخفىّ بالجلىّ والغائب بالشاهد ، فيتأكّد الوقوف على ماهيّته ، ويصير الحسّ مطابقاً للعقل ، وذلك في نهاية الإيضاح . ألا ترى أنّ الترغيب إذا وقع في الإيمان مجرّداً عن ضرْب مثل ، لم يتأكّد وقوعه في القلب كما يتأكّد وقوعه إذا مثّل بالنور ، وإذا زهّد في الكفر بمجرّد الذِّكر لم يتأكّد قبحه في العقول كما يتأكّد إذا مثّل بالظلمة ، وإذا أخبر بضعف أمر من الأُمور وضرب مثله بنسيج العنكبوت كان ذلك أبلغ في تقرير صورته من الإخبار بضعفه مجرّداً ، ولهذا أكثر الله في كتابه المبين ضرب الأمثال ، فقال تعالى : ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ) ( الكهف : 54 ) .